جلال الدين السيوطي

95

الاقتراح في علم اصول النحو

وكقولهم : الحركات أنواع : صاعد عال ، ومنحدر سافل ، ومتوسط بينهما ، فإنه مأخوذ من صناعة الموسيقى ، انتهى . وقال ابن الأنباري في أصوله « 1 » : اعلم أن إنكار القياس في النحو لا يتحقق ، لأن النحو كله قياس ، ولهذا قيل في حده : « النحو علم بالمقاييس المستنبطة من استقراء كلام العرب » ، فمن أنكر القياس فقد أنكر النحو ، ولا يعلم أحد من العلماء أنكره ، لثبوته بالدلالة القاطعة ، وذلك أنا أجمعنا على أنه إذا قال العربي : كتب زيد ، فإنه يجوز أن يسند هذا الفعل إلى كل اسم مسمى يصح منه الكتابة ، نحو عمرو ، وبشر ، وأزدشير ، إلى ما لا يدخل تحت الحصر ، وإثبات ما لا يدخل تحت الحصر بطريق النقل محال . وكذلك القول في سائر العوامل الداخلة على الأسماء والأفعال ، الرافعة والناصبة والجارة والجازمة ، فإنه يجوز إدخال كل منها على ما لا يدخل تحت الحصر ، وذلك بالنقل متعذر ، فلو لم يجز القياس ، وقتصر على ما ورد في النقل من الاستعمال ، لبقى كثير من المعاني لا يمكن التعبير عنها لعدم النقل ، وذلك مناف لحكمة الوضع ، فوجب أن يوضع وضعا قياسيا عقليا لا نقليا ، بخلاف اللغة ، فإنها وضعت وضعا نقليا ، لا عقليا ، فلا يجوز القياس فيها ، بل يقتصر على ما ورد به النقل ، ألا ترى أن القارورة سميت بذلك لاستقرار الشئ فيها ، ولا يسمى كل مستقر فيه قارورة ، وكذلك سميت الدار دارا لاستدارتها ، ولا يسمى كل مستدير دارا « 2 » ، انتهى .

--> ( 1 ) انظر : الفصل الحادي عشر من لمع الأدلة تحت عنوان « في الرد على من أنكر القياس » . ( 2 ) بعد هذه العبارة قال الأنباري : « فلو قلنا : إن النحو ثبت نقلا لا قياسا وعقلا ؛ لأدى ذلك إلى رفع الفرق بين اللغة والنحو ، وإلى التسوية بين المقيس والمنقول ، وذلك مخالف للمعقول » ، وانظر المرجع السابق .